ابن الأثير
172
الكامل في التاريخ
أتعلمون لي من سابقة خير وقدم خير قدمه اللَّه لي ما يوجب [ 1 ] على كلّ من جاء بعدي أن يعرفوا لي فضلها ! فمهلا لا تقتلوني فإنّه لا يحلّ إلّا قتل ثلاثة : رجل زنى بعد إحصانه ، أو كفر بعد إيمانه ، أو قتل نفسا بغير حقّ ، فإنّكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثمّ لم يرفع اللَّه عنكم الاختلاف أبدا . قالوا : أمّا ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثمّ ولوك فإن كلّ ما صنع اللَّه خيرة ، ولكن اللَّه جعلك بليّة ابتلى بها عباده ، وأمّا ما ذكرت من قدمك وسلفك مع رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فقد كنت كذلك وكنت أهلا للولاية ، ولكن أحدثت ما علمته ولا نترك إقامة الحقّ عليك مخافة الفتنة عاما قابلا ، وأمّا قولك : إنّه لا يحلّ إلّا قتل ثلاثة ، فإنّا نجد في كتاب اللَّه قتل غير الثلاثة الذين سميت ، قتل من سعى في الأرض فسادا ، وقتل من بغى ثمّ قاتل على بغيه ، وقتل من حال دون شيء من الحقّ ومنعه وقاتل دونه ، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك من ظلمت ، وقد تمسكت بالإمارة علينا ، فإن زعمت أنّك لم تكابرنا عليه فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منّا إنّما يقاتلون لتمسك بالإمارة ، فلو خلعت نفسك لا نصرفوا عن القتال معك ! فسكت عثمان ولزم الدار وأمر أهل المدينة بالرجوع وأقسم عليهم ، فرجعوا إلّا الحسن بن علي وابن عباس « 1 » ومحمد بن طلحة وعبد اللَّه بن الزبير وأشباها لهم ، واجتمع إليه ناس كثير ، فكانت مدة الحصار أربعين يوما ، فلمّا مضت ثماني عشرة ليلة قدم ركبان من الأمصار فأخبروا بخبر من تهيأ إليهم من الجنود وشجعوا الناس ، فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان ومنعوه كلّ شيء حتى الماء . فأرسل
--> [ 1 ] ما يوجد . ( 1 ) . P . C . mO